فخر الدين الرازي
436
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وفيه وجهان : الأول : غالب على أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه وسمائه ، والثاني : واللَّه غالب على أمر يوسف ، يعني أن انتظام أموره كان إلهيا ، وما كان بسعيه وإخوته أرادوا به كل سوء ومكروه واللَّه أراد به الخير ، فكان كما أراد اللَّه تعالى ودبر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله بيد اللَّه . واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن الأمر كله للَّه ، وأن قضاء اللَّه غالب . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 22 ] وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم أن يقال : بين تعالى أن إخوته لما أساؤا إليه ، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه اللَّه تعالى في الأرض ، ثم لما بلغ أشده آتاه اللَّه الحكم والعلم ، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن ، ومن الناس من قال : إن النبوة جزاء على الأعمال الحسنة ، ومنهم من قال : إن من اجتهد وصبر على بلاء اللَّه تعالى وشكر نعماء اللَّه تعالى وجد منصب الرسالة . واحتجوا على صحة قولهم : بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة . ثم قال تعالى : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وهذا يدل على أن كل من أتى بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف ، فإن اللَّه يعطيه تلك المناصب ، وهذا بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة . واعلم أن من قال : إن يوسف ما كان رسولا ولا نبيا البتة ، وإنما كان عبدا أطاع اللَّه تعالى فأحسن اللَّه إليه ، وهذا القول باطل بالإجماع . وقال الحسن : إنه كان نبيا من الوقت الذي قال اللَّه تعالى في حقه : وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا [ يوسف : 15 ] وما كان رسولا ، ثم إنه صار رسولا من هذا الوقت أعني قوله : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [ يوسف : 22 ] ومنهم من قال : إنه كان رسولا من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب . المسألة الثانية : قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد والجمع يقال بلغ أشده وبلغوا أشدهم ، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة الأنعام عند قوله : حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ الأنعام : 152 ] وأما التفسير فروى ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس ، ولما بلغ أشده قال ثلاثا وثلاثين سنة ، وأقول هذه الرواية شديدة / الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء قالوا إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئا فشيئا إلى أن ينتهي إلى غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه شيء ، فكانت حالته شبيهة بحال القمر ، فإنه يظهر هلالا ضعيفا ثم لا يزال يزداد إلى أن يصير بدرا تاما ، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق . إذا عرفت هذا فنقول : مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وكسر فإذا جعلت هذه الدورة أربعة أقسام ، كان كل قسم منها سبعة أيام ، فلا جرم رتبوا أحوال الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى أن يتم له سبع سنين ، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوة ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشرة سنة . فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث . وهناك يكمل العقل ويبلغ إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة ، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى أن يتم